Skip to content Skip to sidebar Skip to footer

“البحار”: ذاكرة الاغتراب منذ الثمانينيات، صرخة لإنقاذ إرث لا يجب أن يُمحى

كتب رشيد بدرالدين

مع نهاية عام واستقبال عام جديد، تُتبادل التهاني، وتُضاء الشاشات بالأمنيات، ويُقال الكثير عن الأمل.
لكن فيما نطوي صفحة سنة أخرى، تبقى “البحار”، كما البحار الحقيقية، مضطربة أحياناً، مثقلة بالتحديات، لكنها ما زالت تقاوم وتُكمل الطريق.
نعايدكم… لا من موقع الرفاه، بل من موقع الصمود.
نعايدكم ونحن نحمل ذاكرة عقود، ونطرح السؤال الأكثر صدقاً: كيف نحافظ على الاستمرارية في زمن تتبدّل فيه الأولويات وتضيق فيه المساحات المستقلة؟

قبل “البحار”: الاغتراب بلا منبر

قبل انطلاقة “البحار” كان الاغتراب اللبناني حاضراً بخجل في الإعلام، إذ كانت وسائل الإعلام تنشر القليل من أخباره هنا وهناك، من دون متابعة ثابتة أو إطار واضح.

لكن الإغتراب كان حاضراً في مسيرة علي بدرالدين الذي كان ينشر أخبار المغتربين في مجلة “المنبر” ولاحقاً في الوكالة الوطنية للإعلام ، وما كان ينجزه رشيد بدرالدين من تغطيات متفرقة لشؤون الاغتراب خلال عمله الصحافي في جريدة “النهار”.

لم يكن هناك منبر مستقل، ولا رؤية إعلامية متكاملة تُعنى بالانتشار اللبناني حول العالم. من هنا جاءت الحاجة، ومن هنا وُلدت “البحار”.

نشأت فكرة المجلة في أواخر الثمانينيات، بإمكانيات متواضعة، وكحلم نسجه ثلاثة إخوة رشيد وعلي وكمال بدرالدين الذين آمنوا بأن المسافة لا تمنع الحكايات من أن تُروى.

الانطلاقة: من الفكرة إلى الحضور الميداني

في أوائل التسعينيات، تحوّلت الفكرة إلى مشروع إعلامي متكامل، وحصلت “البحار” على الترخيص الرسمي من وزارة الإعلام (القرار رقم 61، بتاريخ 19 فبراير/شباط 1992).
ولم تكتفِ المجلة بالعمل من بيروت، بل جعلت الحضور الميداني جزءاً أساسياً من هويتها منذ البداية.
وهكذا بدأت الرحلة مع الاخوة بدرالدين ولاحقاً انضم اليهم الصحفي المخضرم جوزيف خليل كمستشار تحرير.

أولى الجولات الخارجية: بروكسل والبرازيل


كانت أولى الجولات الخارجية عبر رشيد بدرالدين، إلى بلجيكا وتحديداً بروكسل، حيث جرى اللقاء الأول مع أبناء الجالية اللبنانية، في تواصل مباشر سبق زمن الاتصالات السهلة والمنصات الرقمية، وأسّس لعلاقة حيّة بين المجلة والمغتربين.
بعد بروكسل، جاءت البرازيل عام 1994 لتشكّل محطة مفصلية، مع تغطية مؤتمر الجامعة اللبنانية الثقافية في العالم، في واحدة من أولى التغطيات الاغترابية الميدانية المنظمة.

لاحقاً توسّعت التغطيات لتشمل أفريقيا، بدءاً من دول غرب أفريقيا حيث يتركّز الحضور اللبناني، ثم شملت مختلف الدول في القارة التي تتواجد فيها جاليات لبنانية، إضافة إلى عربية وخليجية مروراً ببلجيكا وفرنسا وكندا واسبانيا وتحديداً جزيرة “تينيريف
” في جزر الكناري.
لم يكن اهتمام “البحار” محصوراً بمنطقة دون أخرى، بل موجهاً إلى حيثما وُجد لبنانيون في الانتشار.

صحافة ما قبل الاتصالات السهلة


في تلك المرحلة، لم تكن وسائل الاتصال كما هي اليوم. لم يكن هناك بريد إلكتروني ولا إرسال فوري للمواد. كانت كل مقابلة، كل تقرير، وكل صورة تُنقل فعلياً عبر القارات لتصل إلى لبنان حيث تُطبع المجلة. كان الجهد مضاعفاً، والزمن أطول، لكن الإصرار على التوثيق والحضور الميداني، إضافة إلى صعوبة التنقل بين الدول خصوصاً الإفريقية ، شكّل جوهر تجربة “البحار” منذ بداياتها.

العصر الذهبي: الإيمان والهمّة

لعقود من الزمن، كانت “البحار” بيتاً للمغتربين. احتفت بانتصاراتهم، عكست تحدياتهم، ووثّقت لحظاتهم المفصلية، من زيارات الرئيس ميشال سليمان إلى أفريقيا، إلى جولات البطريرك، وفعاليات الشخصيات الاقتصادية والثقافية والفنية في مختلف دول الانتشار.
كل مقابلة، كل مقال، كان شريان حياة، ساهم في توثيق تاريخ المغتربين اللبنانيين والعرب. وعلى امتداد هذه المسيرة، لم تكن “البحار” جهداً فردياً، بل مساحة عمل جماعية شارك فيها صحافيون ومتعاونون وكتّاب ومختصون في مجالات متعددة، أغنوا صفحاتها بالتحليل والرأي والتوثيق، وجعلوا منها مرجعاً مهنياً لا مجرد مطبوعة إخبارية.
مع التقدم في الإعلام الرقمي، أطلقت “البحار” موقعها الإلكتروني في 3 تشرين الأول/أكتوبر 2016، ليكون مساحة جديدة تنقل بالروح نفسها.

بعد الريادة: التقليد من دون جذور


بعد انطلاقة “البحار”، برزت مطبوعات ومواقع أخرى استفادت مادياً من الطريق الذي فُتح. حاول بعضها تقليد التجربة شكلاً لا مضموناً، واستفادت من ظروف الأمر الواقع، لكنها لم تثبت نفسها كمطبوعات موثوقة أو مهنية.
بعضها اختفى، وبعضها بات موسمياً، وبعضها تحوّل إلى هواية، فيما امتلأ المشهد اليوم بصفحات ومقابلات سريعة تُدار من لبنان فقط، مع محللين غير مستقلين يعملون بالقطعة، بلا جهد ميداني ولا ذاكرة.


اليوم: صمود ودعوة للمسؤولية


بعد الانهيار الاقتصادي والجائحة وما رافقهما من خنق للإعلام المستقل، توقّف الإصدار الورقي قسراً.
اليوم، “البحار” تحتاج إلى دعم حقيقي وملموس، سواء عبر المساهمة المادية أو من خلال شراكات مهنية واضحة المعالم. ليس دعماً ظرفياً ولا مجاملة عابرة، بل التزاماً يساعد على الاستمرار، والحفاظ على دورها كمنصة إعلامية مستقلة، شفافة، ومحايدة، مفتوحة لجميع المغتربين، من كل الأجيال، ومن كل الخلفيات.
هذا الدعم ليس ثمناً لموقف، ولا مدخلاً للتأثير على الخط التحريري، فالـ “بحار” كانت وستبقى مساحة مفتوحة للجميع، دون اصطفاف أو تمييز، ودون خضوع لأي جهة، سياسية كانت أو مالية.
في عام جديد، لا نَعِدُ بالسهولة…
نَعِدُ بالصدق.
ولا نَعِدُ بالضجيج… بل بالمعنى.
“البحار” لا تطلب إنقاذاً عاطفياً، بل شراكة واعية، أو دعماً مسؤولاً، من أولئك الذين يؤمنون أن الذاكرة، إن ضاعت، لا تُعوّض.

Leave a comment

Go to Top

“البحار”: ذاكرة الاغتراب منذ الثمانينيات، صرخة لإنقاذ إرث لا يجب أن يُمحى