إحتل الجزء الثاني لفيلم «مكان هادئ» صدارة إيرادات السينما للأسبوع الحالي، وقبله كان فيلم رعب أخر وهو «كونجورينغ» يهيمن على صدارة السينما. في الوقت نفسه وفي كل مرة يتم عرض مسلسل رعب أو فيلم رعب جديد على نتفليكس أو أبل تي في أو امازون برايم نجده يتربع على لائحة الأفلام الأكثرة مشاهدة. فما السبب الذي يجعل هذه النوعية من الأفلام المخيفة تروق للجمهور؟
يصف الفيلسوف اليوناني أرسطو استمتاع الناس بقصص الرعب والمسرحيات التي تحتوي أحداث عنيفة دراميا على أنّه جزءٌ من حاجتهم للتنفيس عن مشاعرهم السلبيّة، فإنه لن يكون الوحيد الذي يحمل هذا الرأي.
يرى الروائي الأميركي المتخصص بأدب الرعب، ستيفن كينج، أن أفلام الرعب تعمل على “نزع فتيل” المشاعر السلبية والعدوانية لدى البشر في نطاق مخصص يساعد على حفظ التوازن النفسي المجتمعي. “كلنا لدينا مخاوف ونزعات انتحاريّة ورغبات جنسيّة، أفلام الرعب تحقق شيئا من هذه الرغبات وبالتالي تقلل من قدرتها الفيزيائيّة على التحقق”، يقول كينغ صاحب أكبر عدد من روايات الرعب التي تم تحويلها لأفلام سينمائيّة عالميّة
يبدو هذا تفسيرا محدودا بقصص الرعب ولا يشمل الأفلام، خصوصا مع الدراسات الحديثة التي تثبت أن مشاهدة أفلام العنف تزيد من نسبة المشاعر العدوانية. إننا عندما نتحدث عن “العدوانية” فإننا نفرّق بينها وبين “المخاوف” الكامنة داخل الإنسان، فنظريّة الدكتور دولف زيلمان المُعنونة بـ”نقل الإثارة” تقدّم ادعائها بأن مشاهدة أفلام الرعب تقلل من مخاوف الإنسان خصوصا عندما ينجو الضحيّة في نهاية الفيلم.

يعزو الأستاذ في علم النفس مارفين زوكرمان سبب “شيوع أفلام العنف” في الوقت الحاضر أكثر من أي وقت مضى إلى “التعوّد”، فيقول “يمكن ملاحظة الأمر عند هواة القفز بالمظلات الذين صاروا يسعون لإثارة أكبر من تلك التي يحوزون عليها جرّاء قفزهم من داخل طائرة، فباتوا يقفزون من أماكن أكثر قربا للأرض مثل ناطحات سحاب أو سفوح الجبال، والسبب في ذلك هو سعيهم للحصول على إثارة أكبر وأكبر من خلال تقليل الزمن المتاح لهم من أجل فتح المظلة التي إن لم يفتحها في الوقت المناسب فمن الأرجح أنه سوف يموت”.
يمكن استخدام ذلك بالقياس على حالة أفلام الرعب التي صارت أكثر تنوعا وعنفا وتعتمد على تعذيب الضحية تماما كما في سلسلة أفلام سو (Saw)، فالشيء الذي أُعتبر مخيفا فيما مضى صار عاديا اليوم، ولذلك يسعى الجمهور للتطرّف في خياراته من أجل تحقيق معدّل إثارة أعلى توفرها له تلك الأفلام التي تتجاوز حدود ما هو متعارف عليه، والهدف هو “كسر الملل” على حد تعبير زوكرمان، وتخطّي بؤرة التعوّد وهكذا يستمر السقف بالعلو يوما بعد آخر.
إن كانت هذه النظرية تجيب عن “الوفرة” في أفلام الرعب فإنها أيضا تمنحنا إجابة منطقيّة لاستمرار تلك الأفلام بالصدور حتى الآن، ولكنها بالتأكيد لا تجيب عن سؤالنا الرئيسي “لماذا نُشاهد أفلام الرعب؟”، أو بالأحرى علينا إعادة صياغة السؤال بالطريقة الصحيحة: لماذا نسعى لتوليد مشاعر الخوف عبر الخيال؟
إن واحدا من الأجوبة الأوليّة يكمُن في ما يُشبه التعلّق بألعاب الفيديو، فمشاهدة فيلم مرعب تتيح لنا اختبار تهديدٍ ما دون أن يصيبنا منه مكروه حقيقي وملموس. وكما نملك في ألعاب الفيديو الفرصة المستمرة، فإن أفلام الرعب تخوّلنا لخوض مواجهة مستمرة مع مخاوفنا دون عناء البحث عن طريق عودةٍ آمن، أي المشاهدة وفق شروط بيئية “سليمة نسبياً”.
بيولوجيا الخوف

يُغرق الخوف أدمغتنا بمواد كيميائية تشعرنا بأننا بخير. الشعور بالخوف في الطبيعة يُحفز داخل أدمغتنا ما يسمى بتأثير “الكر والفر”. وأوضحت عالمة الاجتماع مارغي كير (المتخصصة في دراسة الخوف): “عند الشعور بالخطر، يتفعل الحس التيقظي، يفعّل شلالات من النواقل العصبية والكيميائيات التي تجعلنا نشعر بشعور جيد، إلى جانب عدد من الهرمونات أيضًا، مثل الإندورفين والدوبامين والسيروتونين والأدرينالين التي تؤثر بدورها على عمل أدمغتنا وأجسادنا. ولكن عندما نعلم أننا آمنون في أثناء مشاهدة أفلام الرعب، فإننا نفسّر ونستوعب حالة التيقظ هذه كتجربة إيجابية”. ويقول الدكتور لطفي أحمد المتخصص في علم اجتماع التحليل النفسي: “لا يمضي كثير من الوقت لندرك أن الخطر ليس حقيقيًا، وأننا في أمان حقًا، وهو ما يحوِّل حالة الشعور من الخوف إلى الاستمتاع والضحك، ولهذا نسمع الكثير من الصراخ المصحوب بالضحك في قاعات السينما في أثناء عرض أفلام الرعب”.
وكما أوضحنا، فإنه وبالنسبة للبعض، تكون المستويات العالية من الإثارة والتيقظ ممتعة. ويقول غلين سباركس إن حوالي 10 في المائة من المشاهدين فقط يستمتعون باندفاع الأدرينالين المرتبط بأفلام الرعب. ولكن بالنسبة للآخرين، فإن أفلام الرعب والبرامج التلفزيونية تعد مزعجة. ويضيف سباركس بأن بعض الأفراد “يواجهون صعوبة أكبر في فحص وتجنب المحفِّزات غير المرغوبة في بيئتهم”، وهؤلاء يكونون أكثر عرضة لردود فعل فيزيولوجية ونفسية سلبية للرعب المستحدث.
يقول الأستاذ المساعد في جامعة مانهاتن مايكل جرابوسكي: “عادة وعند مشاهدة هذا النوع من الأفلام، فإننا نثبط الجزء المسؤول عن حركة أجسادنا في الدماغ، إلا أن المحفّزات [التي تتأتى بفعل مشاهد الرعب الصادمة] تكون قوية للدرجة التي تجعلها تتغلب على نظام تثبيط الحركة، وتجعلنا نقفز أو نصرخ وهذا لأن الفيلم قد تجاوز حالتنا الهادئة (العقلانية) ووصل إلى غريزة البقاء البدائية لدينا، وهو ما يحفز لدينا استجابة أولية سريعة لحماية أنفسنا وتحذير الآخرين قبل أن نأخذ فترة بيننا وبين أنفسنا لمعالجة نوع التهديد أو الخطر. ويكون الصراخ هو وسيلة تنبيه الآخرين في نفس المجموعة الاجتماعية ووسيلة أيضًا لإخافة المهاجم. هذه اللحظات البدائية تُبطل لدينا عملية التفكير العقلاني والتي تعلم بأن مصدر الخطر ليس حقيقيّاً. هذه اللحظات تعيدنا إلى طبيعتنا البدائية الأولى حيث افترض فرويد بأن أفلام الرعب مصدرها “الوادي المجهول” أو الخارق للطبيعة والغريب، فتسترجع أفلام الرعب عند الأفراد الصور والأفكار والمشاعر المعروفة بالـ”الجينات البدائية” التي قُمعت بسبب الأنا المتحضر.

