كتب رشيد بدرالدين
في يوم المغترب اللبناني ، نتوقف لنحتفي بالنجاحات التي حققها اللبنانيون في الخارج، حيث استطاعوا أن يحوّلوا خطوات الهجرة الأولى إلى قصص تأثير واقتصاد وإبداع. في ساحل العاج، بدأت الهجرة اللبنانية في أواخر القرن التاسع عشر بالصدفة أو بالبحث عن فرص أفضل، واليوم أصبح وجودهم علامة فارقة على الاقتصاد والثقافة. من حي Marcory المعروف بـ”ليتل بيروت” إلى مشاريع اقتصادية كبرى، تروي العائلات الذهبية قصة مغتربين حولوا التجارة البسيطة إلى إمبراطوريات حقيقية، مثبتين أن اللبناني أينما حل، يمكنه أن يترك بصمة لا تُمحى.
الجالية اللبنانية في ساحل العاج: نموذج استثنائي للنجاح

بدأت الهجرة اللبنانية إلى ساحل العاج في نهاية القرن التاسع عشر، أحيانًا بالصدفة عبر مرسيليا، وأحيانًا بحثًا عن فرص أفضل. اليوم، أصبح اللبنانيون هناك قوة اقتصادية حقيقية، يسيطرون على نحو 30–40% من التجارة والتوزيع، مع إسهامات بارزة في البناء الحضري والفن المعاصر. الرعيل الأول الذي وصل من جبل لبنان العثماني واجه اقتصادًا استعماريًا ناشئًا بعد الحرب العالمية الأولى، فبدأوا ببيع سلع بسيطة خلال الكساد الكبير عام 1929، ثم توسّعوا تدريجيًا إلى العقارات والفنادق. اليوم، يبلغ عددهم بين 100 و200 ألف نسمة، 85% منهم يقطنون في أبيدجان، وحوّلوا حي Marcory إلى “ليتل بيروت”، مع 12 مشروعًا عقاريًا كبيرًا قيد التنفيذ. وصفهم الرئيس هوفويه بوانييه يومًا بـ”هبة من السماء”، بينما منحت الحكومة إعفاءً من التأشيرة أثناء حرب لبنان 2006.
العائلات الذهبية: نجاحات اقتصادية كبيرة
عزالدين – Carré d’Or: من متجر صغير إلى إمبراطورية صامتة

بدأت رحلة Carré d’Or في ساحل العاج عام 1988 على يد إبراهيم عزالدين، الذي افتتح أول متجر صغير لبيع المنتجات المتنوعة. لم يمض وقت طويل حتى تحول هذا المتجر إلى شركة توزيع جميع البضائع (SDTM)، لتصبح لاحقًا أحد أعمدة الاقتصاد الإيفواري ومثالًا على نجاح اللبنانيين في الخارج.
ومع مرور السنوات، توسعت المجموعة لتصبح رائدة في سوق الأغذية، مع توظيف نحو 7000 شخص، وتحقيق رقم أعمال يفوق 500 مليار فرنك أفريقي، ما وصفته المصادر في أبريل 2025 بـ”إمبراطورية صامتة تساوي أكثر من مليار دولار”. Carré d’Or اليوم أكبر مستورد للأرز في البلاد، بحصة تصل إلى 70% من الواردات السنوية البالغة مليون طن، إلى جانب كونها أول منتج للكرتون في الإيفوار، وتمتلك ثلاث علامات مياه معدنية رئيسية: سيليست، آوا، وكريستالين.
على صعيد الاستحواذات، عززت المجموعة مكانتها الاستراتيجية عبر صفقات كبرى مع علامات عالمية. ففي 2022، استحوذت على إنتاج وتوزيع كوكا-كولا في ساحل العاج باستثمار قدره 100 مليون يورو في مصنع PK24 بأبيدجان، ثم تبعها في 2024 الاستحواذ على عصائر “دارسي”. وأبرز إنجازاتها الأخيرة هو استحواذها على فرع Unilever Côte d’Ivoire بقيمة تتجاوز 24 مليار فرنك أفريقي، في أكبر عملية استحواذ محلي على شركة متعددة الجنسيات منذ أكثر من عقد، مضيفة بذلك علامات استهلاكية معروفة إلى محفظة المجموعة.
من متجر صغير في 1988 إلى مجموعة متنوعة تمتد من الأرز والمياه المعدنية إلى الكرتون والمنتجات الاستهلاكية العالمية، تبرز عائلة عزالدين كرمز للنجاح اللبناني في ساحل العاج، محافظة على إرثها الاقتصادي ومواكبة الابتكار على مدى العقود.
بيضون – Yeshi Group: عمالقة المواد الإنشائية

أسس عبد الحسين بيضون مجموعة Yeshi Group لتصبح إحدى أبرز شركات مواد البناء والتوزيع في غرب أفريقيا. منذ اقتناء Bernabé عام 2003 وتحقيق 47 مليار FCFA في 2017، توسعت الشركة لتشمل سبع دول، وحصلت على تمويل ضخم بقيمة 22 مليار FCFA في 2024 لإنشاء أكبر مجمع معدني في غرب أفريقيا، مع استمرار توسعها حتى 2026، ما جعلها واحدة من أعمدة الاقتصاد الإيفواري.
فخري – Prosuma: إمبراطورية التوزيع الشامل

قاد الأخوان كريم وعبد فخري شبكة من 159 متجرًا تشمل محلات Cash Ivoire وCasino Mandarine وHyper U، إلى جانب قطاع صحي وفنادق (Ivotel). بحجم أعمال بلغ 350 مليون يورو في 2016، ومع 3600 موظف، تمكنت Prosuma من الصمود أمام المنافسة العالمية مثل Carrefour واستمرار توسعها حتى 2026.
درويش: بنية تحتية واتصالات حديثة
قاد محمد درويش قطاع أبراج الاتصالات، موفّرًا شبكة حديثة تربط ساحل العاج ونيجيريا، وساهم بشكل أساسي في التحول الرقمي للبلاد، مؤكدًا على قدرة الجالية اللبنانية على الابتكار في القطاعات الحديثة.
غندور: رائدة مستحضرات التجميل
ساهم محمود الغندور في تغطية السوق الإيفواري بالكامل بمستحضرات التجميل والعطور الفاخرة، مؤكدًا قدرة الجالية على المزج بين الأعمال التقليدية والقطاعات الحديثة.
حجازي: التوزيع متعدد القطاعات

أسس حسن وسامح حجازي شبكة توزيع واسعة تشمل الصناعة والعقارات والمطاعم، بما في ذلك Super Hayat وPrima Center، أكثر من 4000 موظف في 15 دولة، مثال على التنوع والمرونة الاقتصادية.
خشاب: ملوك التونة
قاد محمد علي خشاب قطاع تعليب التونة، مؤمنًا 25% من سوق فرنسا، مع ثلاث شركات تعمل في ساحل العاج ومدغشقر، ما يجعل عائلته لاعبًا رئيسيًا في قطاع الأغذية البحري.
خليل: الكيمياء والمعادن
تخصص الأخوان مصطفى وأدهم خليل في الصناعات المعدنية والكيميائية والغذائية، بما في ذلك منتجات PVC مع Sotici، معززين حضور الجالية في مجالات صناعية استراتيجية.
الخوري: طاقة غرب أفريقيا
قاد فاهم الخوري أكبر مجموعة طاقة منذ السبعينيات، مع نشاط في ساحل العاج وتوغو ونيجيريا وغانا وبنين، ما يعكس الاستدامة الطويلة لحضور اللبنانيين في القطاعات الحيوية.
لقيس: إمبراطورية الكاكاو
ساهم الأخوان علي وأحمد ودنّان لقيس في إنتاج نحو 10% من الكاكاو الوطني في 2016، محققين 380 مليون يورو، ليصبحوا ركائز أساسية في الاقتصاد الإيفواري.
فاخوري: من العمارة الأيقونية إلى الفن العالمي

أبدع بيار فاخوري في تصميم بازيليكا سيدة السلام، أكبر كنيسة في أفريقيا، وقصر الرئاسة، بينما توسعت ابنته سيسيل فاخوري في المجال الفني بإطلاق غاليريات في أبيدجان (600 م²) ثم داكار وباريس. بلغ مجموع لوحاتهم نصف مليون يورو، واحتلت مشاريعهم الفنية مركزًا متقدمًا ضمن أبرز 40 تحت 40 في أفريقيا، لتؤكد الجالية اللبنانية حضورها الثقافي بجانب الاقتصادي.
عميص: البلاستيك والضيافة
قاد الأخوان فؤاد ويوسف ورمزي عميص صناعات البلاستيك عبر Sotici منذ 1972، إلى جانب فنادق Tiama وأغذية Patisen، لتكون عائلتهم نموذجًا لتنوع الأعمال بين الصناعة والخدمات.
سقلاوي: الإلكترونيات العالمية
أدار ناصيف وعلي سقلاوي شركات الإلكترونيات بالتعاون مع Samsung وTCL، وشغل أحدهما منصب نائب رئيس CCILCI، مشرفًا على 60 ألف موظف وعائدات تصل إلى 2500 مليار FCFA، ما يعكس القوة الاقتصادية البارزة للجالية.
الإرث الثقافي والاجتماعي
لم تقتصر مساهماتهم على الاقتصاد، فقد أسسوا كنائس ومدارس، مثل الأرسالية المارونية عام 1948 والمدرسة اللبنانية عام 1992 التي تضم نحو 1000 تلميذ، وساهم قادة الجالية في تطوير الأندية الرياضية والثقافية، بالإضافة إلى الجمعيات الخيرية والدينية التي تخدم المجتمع اللبناني والإيفواري معًا. وتربط غرفة التجارة اللبنانية–الإيفوارية (CCILCI) نحو 300 مجموعة لبنانية، مع 60 ألف موظف، لتشكل شبكة واسعة من النشاط الاجتماعي والثقافي والاقتصادي للجالية في ساحل العاج.

