رشيد بدرالدين
في كل مرة يمرّ فيها لبنان بأزمة، يظهر دور المغترب اللبناني كقوة صامتة، لكنها حاسمة. ليس مجرد دعم عابر، بل شريان حياة حقيقي، يضخّ الاستقرار في بلد يترنّح على حافة الانهيار.
الأرقام وحدها تروي القصة. ففي عام 2021، سجّل لبنان الرقم الأكثر إثارة عالميًا، إذ بلغت تحويلات المغتربين نحو 53.8% من الناتج المحلي الإجمالي، في نسبة لا مثيل لها في أي دولة أخرى. لكن هذا الرقم لم يأتِ من فراغ، بل هو نتيجة مسار طويل من الارتباط بين اللبناني المقيم في الخارج ووطنه الأم.
منذ عام 2003، حيث لم تتجاوز التحويلات 13.3% من الناتج المحلي، بدأت هذه النسبة بالارتفاع تدريجيًا، لتبلغ ذروتها عند 24.7% عام 2009. غير أن التحوّل الحقيقي جاء بعد عام 2020، حيث قفزت التحويلات بشكل حاد لتصل إلى 35.5% في 2023، في وقت كان فيه الاقتصاد اللبناني ينهار بوتيرة غير مسبوقة.
ومع تفاقم الأزمة المالية منذ عام 2019، تغيّر دور المغترب من داعم إضافي إلى ركيزة أساسية للعيش. ففي بلد انزلق فيه نحو 3.28 مليون شخص إلى الفقر، باتت تحويلات الخارج تشكّل مصدر الدخل الرئيسي لما بين 15% و30% من الأسر اللبنانية، ما جعلها خط الدفاع الأول في مواجهة الانهيار.
لكن دور المغترب لم يتوقف عند الأرقام. ففي اللحظات الأكثر قسوة، كان الحضور اللبناني في الخارج يتجاوز المال إلى الفعل المباشر. بعد انفجار مرفأ بيروت عام 2020، تدفقت ملايين الدولارات من الجاليات حول العالم، ليس فقط لدعم الاقتصاد، بل لتأمين الغذاء والدواء وإعادة إعمار ما تهدّم، في ظل غياب خطة حكومية واضحة.
وقبل ذلك، في حرب تموز 2006، لعب المغتربون دورًا محوريًا في الإغاثة السريعة وتأمين الإيواء للنازحين، بالتوازي مع موجة تضامن داخلي أسهمت في الحد من الانقسامات، وساهمت في إعادة الإعمار بدعم عربي ودولي.
أما في التصعيد الأخير بين 2024 و2026، فقد تكرّر المشهد، ولكن بوتيرة أسرع وتنظيم أكبر. مع نزوح نحو 800 ألف شخص داخليًا، وارتفاع عدد الضحايا إلى آلاف، تحرّكت الجاليات اللبنانية حول العالم فورًا. مئات حملات التبرع أُطلقت، وشبكات تطوعية نشطت لتأمين الغذاء والأدوية والمأوى، فيما تشهد الحرب الحالية أيضًا موجة متواصلة من حملات التبرعات والدعم المالي المنظّم عبر مبادرات فردية وجماعية تؤكد استمرارية هذا الدور. وتشير التقديرات إلى أن التحويلات بين 2020 و2024 بلغت نحو 31.8 مليار دولار، ساهمت في تغطية ما يقارب 56% من العجز التجاري، فيما امتدت جهود الدعم لتشمل نحو 1.5 مليون نازح.
ورغم هذا الثقل المالي، يبقى الدور الأعمق للمغترب اللبناني في كونه جسرًا حيًا بين لبنان والعالم. فهو لا ينقل المال فقط، بل المعرفة والخبرة والعلاقات. الجيل الأول غالبًا ما يحافظ على صلة مباشرة بالوطن عبر العائلة أو الكنيسة أو الجمعيات، فيما يجد الجيلان الثاني والثالث في المنظمات الاغترابية الرابط الأساسي مع الهوية اللبنانية.
هكذا، يتحوّل المغترب من فرد بعيد جغرافيًا إلى شريك يومي في بقاء الوطن. وفي كل أزمة، يثبت أن المسافة لا تعني الانفصال، بل قد تعني قدرة أكبر على العطاء.
لبنان، في أزماته المتكررة، لم يكن وحيدًا يومًا.
كان دائمًا هناك… من يمدّ له الحياة من بعيد.

