كتب علي بدرالدين
لم يتوقّع أبناء الجنوب أن يأتي يومٌ ويُنعم الله عليهم بزوجين سعيدين مغتربين جاءا من أقصى بلاد الإغتراب في أفريقيا إلى الوطن الأم لبنان، وإلى مكان ولادتهما و مرتع طفولتهما و هما يتأبطان زاداً من الذكريات الجميلة حافظا عليه في حلِّهما وترحالهما، وكان بالنسبة لهما البوصلة التي حوّلت عقارب الساعة باتجاه بلدتهما الزرارية ،هذه البلدة الجميلة التي تشكّل واسطة العَقد بين أقضية الجنوب، لأنها جوهرة الجنوب التي لايغيب عنها الضوء ولا سطوع الشمس، وقد زرع أبناؤها المهاجرون والمنتشرون والمغتربون خيرها في أصقاع العالم، هذه البلدة التي تزخر بالعلماء والمثقفين والمبدعين وكبار المغتربين، وتفتخر بأبنائها الأوفياء لها عكس المقولة التي تقول”أن البعد جفاء” و”أن البعيد عن العين بعيد عن القلب”، وتتباهى بشهدائها الذين قدموا الغالي والنفيس والدم والأرواح ليس دفاعاً عن الزرارية فقط بل عن الجنوب وكل الوطن.
بعد أكثر من نصف قرنٍ من الغربة المتقطّعة عاد إليها بشغف وحب إبناها الباران القنصل الأستاذ سعيد فخري وعقيلته السفيرة الأستاذة سعدى الأسعد فخري ليكحلا عيونهما بترابها الطاهر المبارك، وليردا لها ولأهلها وشبابها وصباياها وكبارها وأطفالها أمانة الوفاء وجميلاً لم يغب عن بالهما، فحملا معهما خططاً ومشاريع إنمائية وإجتماعية وثقافية وإنسانية وأحلاماً واقعية، وكان قسماً كبيراً من هذه الأمانة قد سبقهما إلى الزرارية على مدى سنوات الإغتراب.
والأهم من كل هذا وذاك، هو الحلم الكبير الذي راودهما وكان موضع تفكير وإهتمام منهما، بل الشغل الشاغل لهما، وقد تحوّل بالفعل إلى حقيقة ثابتة متعملقة وحاضنة ثقافية بامتياز ليس لأهل الزرارية فقط، بل لكل الجنوب ولبنان، ورغم عمر ولادته القصير، طارت شهرته وذاع صيته ويتنافس المثقفون والكتّاب والأدباء والشعراء والرسامون والرياضيون والتربويون والمسرحيون والمدارس والجامعات اساتذة وطلاباً وإدارات للحصول على شرف حجز أماكنهم وعرض نتاجهم الثقافي والادبي والشعري والمسرحي والتشكيلي في أحضان قاعاته.
إنه يا سادة الصرح الثقافي المتعملق على أرض الزرارية، إنها مؤسسة سعيد وسعدى فخري الانمائية، التي انتصبت شامخة تتحدى الرياح العاتية والحرب الاسرائيلية المفتوحة والمتوحشة على لبنان وجنوبه في محاولات يائسة من هذا العدو الغادر لقتل الحياة في الجنوب وتحويله إلى أرض محروقة مدمِّرة بلا شعب أو بشعب يائس ومحبط ولا حول له ولا قوة.
إن مؤسسة سعيد وسعدى فخري الإنمائية التي بدأ يشار اليها بالبنان، تحوّلت في زمن قياسي قصير إلى حديث الساعة، وهذا لم يأت من فراغ، بل لأنها ستكون الشاهدة على مرحلة مقبلة من النمو والنهوض في الجنوب وتفجير الطاقات الإبداعية المحبوسة بفعل العدوان الإسرائيلي وإهمال السلطات السياسية الرسمية المتعاقبة.
تحية فخر وإعتزاز إلى سعيد وسعدى فخري (مع حفظ الألقاب) وإلى خيارهما الموفّق جداً الذي فعلاّ كان”ضربة معلّم” في مكانه وزمانه وصوابية توقيته وأهدافه النبيلة والسامية.
سعيد وسعدى فخري بإنجازهما الإنمائي الثقافي سيخلدهما التاريخ وسيتحولان ومؤسستهما إلى أيقونة تصونها الأجيال المتعاقبة وتحميها بأشفار عيونها وفي ذاكرتها وقلوبها حتى أبد الأبدين.







