كتب رشيد بدرالدين
ظاهرة نادرة في تاريخ الشعوب: يُقدّر عدد اللبنانيين في المهجر بين 12 و18 مليون شخص، مقابل نحو 5 إلى 6 ملايين داخل لبنان. هكذا، لم يعد الاغتراب تفصيلاً في الحكاية اللبنانية، بل صار الحكاية نفسها.
لكن هذه القصة لم تبدأ بأرقام… بل بدأت بأفراد.
أفريقيا: حين بدأت الحكاية بالصدفة
في أواخر القرن التاسع عشر، غادر لبنانيون كثر جبل لبنان بحثاً عن فرصة. لم تكن أفريقيا دائماً وجهتهم المقصودة.
بعضهم كان في طريقه إلى الولايات المتحدة، لكن عند وصوله إلى مرسيليا لم يتمكن من متابعة الرحلة، فاختار السفر إلى غرب أفريقيا. وآخرون ركبوا سفناً لم تكن وجهتها كما ظنّوا، فكانت البداية هناك… مصادفة غيّرت المسار.
مع الوقت، تحولت هذه البدايات الفردية إلى حضور واسع.
اليوم، يُقدَّر عدد اللبنانيين في أفريقيا بنحو 450 ألف شخص، يتمركز معظمهم في غرب القارة.
في ساحل العاج، التي بدأت فيها الهجرة المنظمة في عشرينيات القرن الماضي، تُعد الجالية الأكبر في أفريقيا، ويتراوح عددها بين 100 و200 ألف شخص، يتركّز نحو 80% منهم في أبيدجان.
بدأوا بتجارة بسيطة، لكنهم سرعان ما توسّعوا إلى قطاعات أوسع، من العقارات إلى الضيافة.
أما في غانا، فيعود الوجود اللبناني إلى ستينيات القرن التاسع عشر، واستمر عبر الأجيال ليشكّل حضوراً مستقراً في مختلف القطاعات.
الولايات المتحدة: خطوة أولى فتحت الطريق
عام 1854، وصل أنطونيو بشلاني إلى ميناء بوسطن، ليُسجَّل كأول لبناني تطأ قدماه الولايات المتحدة. كانت تلك خطوة فردية، لكنها فتحت الباب لموجات لاحقة.
بحلول عام 1914، وصل عدد المهاجرين اللبنانيين في سنة واحدة إلى 9,023.
ويُقدّر أن نحو 90% من الأوائل عملوا في التجارة المتنقلة، يجوبون المدن والقرى، وتمكّن بعضهم من تحقيق دخل يفوق 1,000 دولار سنوياً — أي ثلاثة أضعاف المعدل آنذاك.
ومن التفاصيل اللافتة، أن المعارض الدولية الكبرى لعبت دوراً في جذب اللبنانيين، كما يُنسب إلى أحدهم المساهمة في تقديم أول مخروط آيس كريم خلال معرض سانت لويس عام 1904.
اليوم، يتركّز اللبنانيون الأميركيون في ولايات عدة، أبرزها ميشيغان (11%) وكاليفورنيا (9%)، ويشكّلون نحو 35% من الأميركيين من أصول شرق أوسطية.
أميركا الجنوبية: من مهاجرين إلى ملايين
وصل اللبنانيون إلى البرازيل والأرجنتين في أواخر القرن التاسع عشر، حاملين جوازات سفر عثمانية، فكانوا يُعرفون بـ”الترك”.
بين عامَي 1884 و1933، دخل نحو 130 ألف لبناني إلى البرازيل عبر ميناء سانتوس.
واليوم، تُقدَّر الجالية اللبنانية هناك بنحو 7 ملايين شخص، مقابل نحو 3 ملايين في الأرجنتين.
ورغم أنهم يشكّلون أقل من 4% من سكان البرازيل، فقد شغل أحفادهم نحو 10% من مقاعد البرلمان عام 2014، في مؤشر واضح على حجم حضورهم.
كندا: بداية فرد… وجالية وازنة
وصل إبراهيم أبو نادر من زحلة إلى مونتريال، ليكون من أوائل اللبنانيين في كندا.
ومع موجات الهجرة، خصوصاً بين 1975 و1990، كبر الحضور اللبناني بشكل ملحوظ.
وفق تعداد 2016، بلغ عدد الكنديين من أصل لبناني 219,555 شخصاً، ليصبحوا أكبر مجموعة ناطقة بالعربية في البلاد.
وفي 2023، أعلنت كندا شهر نوفمبر شهراً للتراث اللبناني.
أستراليا: طريق غير متوقّع
حوالي عام 1880، وصل مسعود الناشبي من بشري إلى أستراليا. وتروي روايات الهجرة أن بعض اللبنانيين لم يكونوا يقصدونها أصلاً، بل كانوا يظنون أنهم في طريقهم إلى أميركا.
ومع مرور الزمن، تحوّلت هذه البدايات المحدودة إلى جالية متنامية.
فخلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، وصل أكثر من 30 ألف لبناني إلى أستراليا.
واليوم، يتجاوز عدد اللبنانيين المولودين هناك 87 ألف شخص، يتركّزون في سيدني وملبورن.
بلجيكا: حضور متخصص
في بلجيكا، التي تضم بين 3,500 و8,000 لبناني، يبرز حضورهم في مدينتي بروكسل وأنتويرب، خصوصاً في تجارة الألماس، إلى جانب انتشار المطاعم اللبنانية.
من أنطونيو بشلاني في بوسطن، إلى ملايين اللبنانيين في البرازيل، ومن صدفة الوصول إلى أفريقيا إلى الاستقرار في كندا وأستراليا…
هي قصة واحدة: كيف يمكن لخطوة فردية أن تتحوّل، مع الوقت، إلى حضور عالمي.
وبمناسبة اليوم العالمي للمغترب، تتكرّس هذه الحقيقة:
لبنان ليس فقط وطناً… بل تجربة تنتشر في العالم.






