كتب رشيد بدرالدين
بدأت الحرب في إيران في أواخر فبراير 2026، عقب هجمات أمريكية وإسرائيلية، لتشكل صدمة جيوسياسية غير مسبوقة على الاقتصاد العالمي. الصراع لا يقتصر أثره على الإقليم، بل يمتد مباشرة إلى أسواق الطاقة، التجارة العالمية، النمو الاقتصادي، والتضخم.
التأثير على أسواق الطاقة
تشكل مضيق هرمز نقطة ارتكاز أساسية للتأثير، إذ يمر عبره نحو 20–25% من إمدادات النفط العالمية. ارتفع سعر خام برنت إلى حوالي 73 دولاراً للبرميل بنهاية فبراير 2026، بزيادة تقارب 20% منذ بداية العام. ومع استمرار التوتر، من المتوقع أن يصل السعر إلى 80–100 دولار للبرميل في حال حدوث تعطيل جزئي، وقد يتجاوز ذلك في حال إغلاق كامل للمضيق. كل ارتفاع قدره 10 دولارات في سعر النفط يضيف نحو 0.6–0.7% إلى التضخم العالمي، ما يثقل كاهل الصناعات والمستهلكين، خصوصاً في أوروبا وآسيا.
رغم محاولات أوبك+ زيادة الإنتاج لتهدئة الأسواق، تبقى المخاوف قائمة بسبب هشاشة الوضع الأمني وتصاعد التوترات العسكرية. كما ارتفع الطلب على الغاز الطبيعي، الذي بدأ يشهد تقلبات مماثلة، خصوصاً في أسواق آسيا وأوروبا.
اضطرابات الأسواق المالية
انعكست الحرب سريعاً على الأسواق المالية العالمية. انخفضت مؤشرات الأسهم في الولايات المتحدة وأوروبا ودول الخليج بشكل ملحوظ، مع صعود الذهب كملاذ آمن، وتراجع العملات المشفرة والدولار بشكل نسبي. كما توقفت أو أعادت شركات الشحن الكبرى توجيه عملياتها عبر الممرات البحرية الحساسة، وتأثرت حركة التجارة العالمية مباشرة نتيجة التأخير وارتفاع تكاليف النقل، بما في ذلك المرور عبر قناة السويس وباب المندب.
القلق من اضطرابات الإمدادات دفع المستثمرين إلى إعادة ترتيب محافظهم المالية، مع انخفاض أسهم البنوك وشركات التكنولوجيا، ما يعكس حالة عدم اليقين الشديد في الأسواق العالمية.
التضخم والنمو العالمي
الاقتصاد العالمي، الذي يعاني أصلاً من تباطؤ، يواجه الآن ضغوطاً إضافية. ارتفاع أسعار الطاقة يعيد إشعال التضخم، وقد يدفع البنوك المركزية، وعلى رأسها الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، إلى رفع أسعار الفائدة أو تأجيل تخفيضها، ما يثقل كاهل المستهلكين ويضعف الإنفاق والاستثمار. وتأتي هذه التحديات في وقت كان التعافي العالمي هشاً بالفعل، وفق تحذيرات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي.
تشير التقديرات إلى أن ارتفاع أسعار النفط إلى مستويات 100 دولار للبرميل قد يرفع التضخم في الولايات المتحدة من نحو 2.4% إلى أكثر من 4%، ويؤثر على قدرة الفيدرالي على دعم النمو، بينما تتأثر بشكل أكبر دول آسيا مثل الصين والهند، والتي تعتمد بشكل كبير على النفط القادم من مضيق هرمز.
الدول الأكثر تضرراً
الدول الأكثر تأثراً تشمل الصين والهند، اللتين تتلقين نحو 84% من نفط مضيق هرمز، إضافة إلى دول الخليج مثل السعودية وقطر، اللتين تواجهان مخاطر ارتفاع تكاليف التصدير والتأمين على الشحن. الولايات المتحدة، رغم اعتمادها الأقل على النفط المستورد، تواجه ضغوطاً على المستهلكين والأسواق نتيجة ارتفاع الأسعار.
أما تركيا، فهي تواجه فاتورة طاقة مرتفعة واحتمال موجة جديدة من اللاجئين، ما يزيد العبء على الاقتصاد الوطني.
السيناريوهات المحتملة
إذا استمر الوضع الحالي مع تعطيل جزئي لصادرات إيران، فإن التأثير على النمو والتضخم قد يظل محدوداً نسبياً. أما في حال إغلاق جزئي لمضيق هرمز، فسيشهد العالم ضغوطاً تضخمية واسعة وتراجعاً ملحوظاً في النمو. وفي أسوأ السيناريوهات، أي إغلاق كامل للمضيق، فإن الصدمة الاقتصادية ستكون عالمية، مع تضخم متزايد وتباطؤ حاد في النمو، وربما تهديد بركود اقتصادي عالمي.
الحرب في إيران تمثل اختباراً حقيقياً لاستقرار الاقتصاد العالمي. الطاقة، التجارة، الأسواق المالية، والنمو الاقتصادي جميعها باتت رهينة مسار الصراع، وكلما طال أمد الحرب أو اتسع نطاقها، زادت كلفتها على العالم بأسره.

