ودع لبنان أمس الأحد، الشاعر الكبير طليع حمدان، أحد أبرز وأشهر شعراء الزجل اللبناني، الملقب بـ”شاعر المنبرين” وقد شيّع الراحل بمأتم مهيب شارك فيه شيخ عقل طائفة الموحدين الدروز الدكتور سامي أبي المنى في بلدته عين عنوب (قضاء عاليه)، على رأس وفد ضمّ رئيس محكمة الاستئناف الدرزية العليا القاضي فيصل ناصر الدين ومشايخ وأعضاء من الإدارة والمجلس المذهبي ومن مديريتي المجلس ومشيخة العقل والمستشارين، وتقبّل التعازي إلى جانب عائلة الراحل، إلى جانب ممثلين عن وليد جنبلاط وطلال أرسلان اللذين نعيا الراحل، ووزراء ونواب حاليين وسابقين وعدد كبير من المشايخ والفعاليات الروحية والسياسية والحزبية والاجتماعية والثقافية والشعراء ونقابة شعراء الزجل في لبنان وهيئات وروابط ومجالس بلدية واختيارية، وعموم عائلات بلدته. وحشد غفير من أبناء الجبل وباقي المناطق.
وألقى أبي المنى كلمة، جاء فيها: “حضورُنا معكم اليوم في وداع الشاعر الأمير طليع حمدان له مغزى ومعنى، فمَن نودِّع اليوم بأسى ورضى وتسليم ليس حالةً عاديةً عابرة، بل هو كنزٌ نادرٌ من كنوز هذا الجبل الأشمّ، حملَ معه عنفوانَ الجبل وجمالَه إلى كلِّ منطقةٍ في لبنان، وعبّر بلسانه الشعريِّ عمّا يختزنه الوطنُ من جمالٍ ومحبةٍ وسلام، فكان الرسّامَ المبدِعَ والفنّانَ الرائعَ والشاعرَ المُجلّيَ والبطلَ المُدافعَ بشعرِه حين احتاجت الأرضُ والعرضُ والكرامةُ للدفاع”.
أضاف: “استحقّ طليع حمدان أن يكون شاعرَ الجبل والوطن ودنيا الاغتراب، شاعرَ الفخر والمجد وشاعرَ الرقّة والعاطفة بشعره المُتدفِّقِ كالشلّالِ الرقيقِ كما النسيم، والحاملِ في أبياتِه فلسفةَ حياةٍ وتوقاً دائماً للسفر والإبداع، بصُوَرٍ قلّ أن تتهيَّأَ لشاعرٍ آخرَ، أكانت فخراً أو تصويراً ووصفاً، أو مدحاً لطيفاً وتغزُّلاً أو تحدّياً عنيفاً أو رثاءً من القلب والوجدان”.
وختم: “برحيل طليع حمدان تنطوي صفحةٌ وتُفتَحُ صفحةٌ، وبعائلته وورَثةِ شعرِه ورسالتِه وبكم تستمرُّ الحياةُ ولا تتوقَّفُ… عظّم الله أجورَكم… لروحه الرحمة ولكم طيبَ البقاء”.
وكانت ألقيت كلمات لكلّ من النائب شهيب باسم جنبلاط، والوزير السابق الغريب باسم أرسلان، وخالد أبو شقرا باسم أبناء بلدة عين عنوب، ورمزي حمدان باسم عائلة الفقيد. إضافة إلى كلمات وقصائد رثاء لعدة شعراء وأصدقاء الراحل، ركزت على مسيرته المنبرية والشعرية والزجلية، ومحطات حياته في هذا المجال، والأثر البالغ والصفحات المشرقة الذي تركها للأجيال الجديدة.
وُلد طليع نجيب حمدان في 19 يناير 1944 في قرية عين عنوب، قضاء عاليه في جبل لبنان، وعُرف بلقب “أبو شادي” ولقب “شاعر المنبرين”، وتميّز بصوته الجميل وأدائه الرقيق، إلى جانب موهبته الشعرية الفذة التي أهّلته ليكون من كبار شعراء المنبر الزجلي في العصر الحديث. تعرّف الطفل على الشعر الشعبي مبكراً، فكان يهرب من المدرسة ليتابع حفلات شحرور الوادي – الشاعر الزجّال اللبناني يوسف إبراهيم الخطيب (1899–1981) – جامعاً النقود الصغيرة ليحجز لنفسه مكاناً بين الجمهور.
عام 1966، صعد الشاب طليع حمدان إلى خشبة كازينو خلدة في أولى حفلاته الرسمية إلى جانب الشاعر زين شعيب، لتكون تلك اللحظة نقطة الانطلاق نحو مسيرة طويلة امتدّت ستة عقود، وبدأت في جوقة زغلول الدامور التي ضمّت أيضاً الشاعرين زين شعيب وأدوار حرب، ومع بدء الحرب الأهلية اللبنانية، أنشأ عام 1975 “جوقة لبنان الجديد”، التي ضمّت الشعراء: نزيه صعب وأنطوان سعادة وخليل شحرور، قبل أن تتحوّل لاحقاً إلى “جوقة الربيع” بمشاركة عادل خدّاج.
قدّمت الجوقة حفلات في كافّة المدن اللبنانية، قبل أن تحمل الزجل إلى الجاليات في أميركا الشمالية وأستراليا والخليج العربي، فتحوّلت حفلاته إلى جسور حنين بين الوطن وأبنائه في المهجر. بذلك، ساهم طليع حمدان في نقل الزجل من فضائه القروي إلى فضاء جماهيري واسع، جامعاً اللبنانيين على اختلاف مناطقهم ولهجاتهم حول لغة واحدة.
عُرف حمدان ببراعته في المطارحات الزجلية، ونظم شعراً متنوعاً يتناول الغزل والوصف والشعر الوطني والحماسي، وقد غنّى له العديد من الفنانين العرب، كما قدّم أغنيات عن المغتربين وقصائد للشعب الفلسطيني، مؤكداً تأثيره الواسع على الساحة الفنية والثقافية في لبنان والعالم العربي.
الجامعة اللبنانية الثقافية في العالم تنعي حمدان
أصدر رئيس الجامعة اللبنانية الثقافية في العالم عباس فواز، بياناً نعى فيه الشاعر طليع حمدان، قائلاً: “شاعر الجبل، ملك الكلمة، مُرهف الإحساس، صاحب بديهة، مبارزٌ جميل في الشعر والأوزان، منذ أن شارك في مطلع شبابه في الجوقات الزجلية، بانَ تميّزه وجمال شعره وسرعة نظمه. زرع التذوّق، تذوّق الكلمة في ذهن أجيال كثيرة، أصالة أهل الجبل وعنفوانهم صقلها في شعره، له صولات شعرية كبيرة في عالم الانتشار اللبناني”.
أضاف: “طليع حمدان، خسارةٌ كبيرة لعالم الذوق والشعر والأدب. رحمه الله وأسكنه الفسيح من جنانه، وباسمي واسم المجلس العالمي للجامعة اللبنانية الثقافية في العالم، وباسم الاغتراب اللبناني، أتقدّم من أهله وعائلته ومحبّيه وأهل الجبل الكرام وأهل عين عنوب بخالص التعازي القلبية”.





