Skip to content Skip to sidebar Skip to footer

من الماراكانا إلى مونديال 2026… كيف صنعت ساحل العاج جيلاً غيّر تاريخها الكروي؟

رشيد بدرالدين – ابيدجان

لم يكن بلوغ منتخب ساحل العاج الدور الإقصائي في كأس العالم 2026 مجرد إنجاز يُضاف إلى سجلات “الأفيال”، بل كان تتويجًا لمشروع كروي طويل الأمد، استثمر في صناعة اللاعب، وتطوير الأكاديميات، وتحديث البنية التحتية، حتى أصبحت البلاد واحدة من أبرز الدول الأفريقية في إنتاج المواهب الكروية.

وللمرة الأولى في تاريخ مشاركاته في كأس العالم، نجح المنتخب الإيفواري في تجاوز دور المجموعات، واضعًا حدًا لسلسلة من الإخفاقات التي رافقته في نسخ 2006 و2010 و2014. وجاء هذا الإنجاز بعد أقل من عامين على تتويجه بلقب كأس أمم أفريقيا على أرضه، في تأكيد واضح أن ما تعيشه الكرة الإيفوارية اليوم ليس طفرة عابرة، بل ثمرة رؤية رياضية بدأت قبل سنوات.

ثورة بدأت من ملاعب الأحياء

بعيدًا عن الملاعب الحديثة، تبدأ رحلة معظم نجوم كرة القدم في ساحل العاج داخل الأزقة والأحياء الشعبية، حيث تُقام مباريات “الماراكانا” على ملاعب ترابية صغيرة لا تمنح اللاعبين سوى لمسات قليلة ومساحات ضيقة.

في هذه البيئة، يتعلم الطفل منذ سنواته الأولى الاحتفاظ بالكرة تحت الضغط، والمراوغة في أضيق المساحات، وسرعة اتخاذ القرار، وهي مهارات أصبحت السمة الأبرز للاعب الإيفواري، وجعلته محط أنظار كشافي الأندية الأوروبية منذ سن مبكرة.

ولا تزال هذه الملاعب الشعبية تُعد المدرسة الأولى التي تُخرج المواهب قبل انتقالها إلى الأكاديميات المتخصصة، لتشكّل الحلقة الأولى في منظومة تطوير اللاعبين.

“ميمو سيفكوم”… المصنع الذي لا يتوقف

إذا كانت الشوارع تكتشف الموهبة، فإن أكاديمية “ميمو سيفكوم” التابعة لنادي أسيك ميموزا تتولى صقلها وتحويلها إلى لاعب محترف.

فعلى مدى عقود، أصبحت الأكاديمية واحدة من أهم مدارس كرة القدم في أفريقيا، وخرجت أسماء بارزة صنعت تاريخ الكرة الإيفوارية، من بينها يايا توريه، وكولو توريه، وسالومون كالو، وإيمانويل إيبويه، وأروونا كوني، إلى جانب عشرات اللاعبين الذين احترفوا في أكبر الأندية الأوروبية.

وتقوم فلسفة الأكاديمية على بناء اللاعب فنيًا وذهنيًا قبل التركيز على القوة البدنية، إذ يُمنح الناشئون ساعات طويلة من التدريب على التحكم بالكرة، والتمرير، والذكاء التكتيكي، والانضباط داخل الملعب وخارجه.

أما المرحلة الأخيرة من رحلة التطوير، فتبدأ مع الاحتراف الخارجي، حيث تنتقل المواهب الواعدة إلى الدوريات الأوروبية، فتكتسب خبرة اللعب في أعلى المستويات قبل العودة لتمثيل المنتخب الوطني بثقة وخبرة كبيرتين.

من “منتخب النجوم” إلى “الفريق”

امتلكت ساحل العاج خلال العقد الأول من الألفية أحد أقوى الأجيال في تاريخ القارة، بوجود أسماء بحجم ديدييه دروغبا، ويايا توريه، وكولو توريه، وسالومون كالو، إلا أن المنتخب، رغم امتلاكه تلك الكوكبة، لم يحقق ما كان ينتظره جمهوره.

اليوم، تبدو الصورة مختلفة تمامًا.

فمنذ تولي المدرب إيميرس فاييه القيادة الفنية، تحولت هوية المنتخب من فريق يعتمد على تألق الأفراد إلى منظومة جماعية متماسكة، تقوم على الانضباط التكتيكي، والمرونة، والعمل الجماعي، مع قدرة واضحة على تغيير أسلوب اللعب وفق طبيعة المنافس.

كما يتمتع المنتخب بعمق كبير في قائمته، حيث لا يؤدي غياب أي لاعب أساسي إلى اختلال التوازن، وهو ما ظهر بوضوح خلال كأس أمم أفريقيا، ثم في كأس العالم.

كأس أمم أفريقيا… الشرارة التي غيّرت كل شيء

شكّلت استضافة ساحل العاج لكأس أمم أفريقيا نقطة تحول حقيقية في تاريخ الكرة الإيفوارية.

فقد شهدت البلاد تشييد ملاعب حديثة ومراكز تدريب بمواصفات عالمية، وتطوير البنية التحتية الرياضية، لتتحول أبيدجان إلى واحدة من أهم المراكز الكروية في غرب أفريقيا، وقبلة لكشافي الأندية الأوروبية والمستثمرين في القطاع الرياضي.

ولم تقتصر مكاسب البطولة على المنشآت، بل أعادت أيضًا ثقة الجماهير بمنتخبها بعد سنوات من الإحباط، وخلقت حالة من الالتفاف الشعبي انعكست بصورة واضحة على أداء اللاعبين داخل الملعب.

عقلية لا تعرف الاستسلام

ربما كانت اللحظة الأكثر تأثيرًا في تكوين شخصية هذا الجيل هي تلك التي عاشها خلال كأس أمم أفريقيا.

فبعد الخسارة الثقيلة أمام غينيا الاستوائية بأربعة أهداف دون رد في دور المجموعات، بدا المنتخب على وشك الخروج المبكر من البطولة التي يستضيفها على أرضه، قبل أن يتأهل بصعوبة ضمن أفضل المنتخبات أصحاب المركز الثالث.

لكن ما حدث بعد ذلك أصبح جزءًا من تاريخ الكرة الأفريقية.

استعاد “الأفيال” توازنهم، وأقصوا منافسيهم واحدًا تلو الآخر، حتى بلغوا المباراة النهائية وتوجوا باللقب وسط جماهيرهم، في واحدة من أكثر قصص العودة إثارة في تاريخ البطولة.

ومنذ ذلك اليوم، اكتسب اللاعبون صلابة ذهنية استثنائية، وأصبح الإيمان بالعودة وعدم الاستسلام جزءًا من شخصية المنتخب، وهي الروح التي ظهرت مجددًا في كأس العالم 2026.

مونديال 2026… ثمرة مشروع طويل

دخل منتخب ساحل العاج نهائيات كأس العالم بطموح كبير، لكنه كان يدرك أن المهمة لن تكون سهلة.

استهل مشواره بفوز مهم على أوزبكستان بنتيجة (2-1)، ثم انتزع تعادلًا مثيرًا أمام كندا (2-2)، قبل أن يخسر أمام ألمانيا (3-0)، وهي خسارة لم تمنعه من احتلال المركز الثاني في المجموعة والتأهل إلى الدور الإقصائي للمرة الأولى في تاريخه.

وفي دور الـ32، واجه منتخب النرويج في مباراة اتسمت بالقوة والندية، وتمكن من العودة في النتيجة عبر البديل أماد ديالو بعد التأخر، قبل أن يحسم النرويجيون المواجهة بهدف متأخر، لتنتهي المباراة بنتيجة (2-1).

ورغم الخروج من البطولة، غادر المنتخب الإيفواري وهو يحظى باحترام المتابعين، بعدما أثبت أنه بات قادرًا على مقارعة المنتخبات الكبرى، وأن وصوله إلى هذا الدور لم يكن ضربة حظ، بل نتيجة طبيعية لمسار طويل من البناء والتطوير.

مشروع للمستقبل… لا إنجاز عابر

ما تحقق في مونديال 2026 لا يُقرأ باعتباره نهاية رحلة، بل بداية مرحلة جديدة في تاريخ الكرة الإيفوارية.

فاليوم، لم تعد ساحل العاج تعتمد على جيل استثنائي واحد كما حدث في عهد ديدييه دروغبا، بل تمتلك منظومة متكاملة تبدأ من ملاعب الأحياء الشعبية، وتمر بالأكاديميات المتخصصة، ثم الاحتراف الأوروبي، وصولًا إلى منتخب وطني يجمع بين الموهبة والانضباط والخبرة.

لقد أثبتت ساحل العاج أن صناعة النجاح لا تبدأ ليلة التتويج، بل تبدأ من رؤية واضحة، واستثمار طويل الأمد، وإيمان بأن اللاعب هو الثروة الحقيقية لأي مشروع رياضي.

ولهذا، ينظر كثير من المتابعين إلى إنجاز مونديال 2026 على أنه ليس نهاية الحكاية، بل الفصل الأول من حقبة جديدة قد تجعل “الأفيال” أحد أبرز المنافسين على البطولات الأفريقية والعالمية خلال السنوات المقبلة.

Leave a comment

Go to Top

من الماراكانا إلى مونديال 2026… كيف صنعت ساحل العاج جيلاً غيّر تاريخها الكروي؟