بمناسبة الذكرى السادسة والستين لاستقلال جمهورية ساحل العاج، يفتح موقع “البحار” ملفًا خاصًا يتناول تاريخ هذا البلد ومسيرته التنموية، من مرحلة الاستقلال وبناء مؤسسات الدولة، إلى اقتصاده المتنامي، ومدنه، وثقافته، وعاداته، والعلاقات التاريخية التي تجمعه بلبنان.
رشيد بدر الدين
ليست العلاقة بين لبنان وساحل العاج مجرد علاقات دبلوماسية أو تبادل تجاري بين بلدين يفصل بينهما البحر المتوسط والمحيط الأطلسي، بل هي قصة هجرة امتدت لأكثر من قرن، نسجت مع الزمن روابط إنسانية واقتصادية وثقافية جعلت من الجالية اللبنانية جزءًا من تاريخ ساحل العاج الحديث، ومن مسيرة نهضتها الاقتصادية.
فمنذ أن وطأت أقدام أوائل المهاجرين اللبنانيين الأراضي الإيفوارية، تحولت رحلة البحث عن فرصة عمل إلى قصة استقرار وبناء، لتصبح الجالية اللبنانية اليوم واحدة من أقدم وأكبر الجاليات الأجنبية في البلاد، وجسرًا يربط بين بيروت وأبيدجان.
من جبل لبنان إلى سواحل غرب أفريقيا
بدأت طلائع المهاجرين اللبنانيين تصل إلى ساحل العاج منذ أواخر القرن التاسع عشر، وازدادت الهجرة خلال العقود الأولى من القرن العشرين، في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي شهدها لبنان آنذاك.
ووصل كثير من المهاجرين عبر موانئ غرب أفريقيا، ولا سيما السنغال وسيراليون، قبل أن يستقر عدد متزايد منهم في ساحل العاج التي كانت آنذاك مستعمرة فرنسية وتشهد نشاطًا تجاريًا متناميًا.
في البداية، عمل اللبنانيون كتجار متجولين، يجوبون المدن والقرى حاملين بضائعهم إلى المناطق البعيدة، قبل أن يؤسسوا متاجر صغيرة سرعان ما تحولت إلى مؤسسات تجارية أكثر اتساعًا، بالتزامن مع النمو الاقتصادي الذي عرفته البلاد.
ومع مرور السنوات، لم تعد الهجرة مؤقتة، بل أصبحت استقرارًا دائمًا، وانتقلت العائلات اللبنانية إلى العيش في المدن الإيفوارية، لتولد أجيال جديدة حملت معها ثقافتين، اللبنانية والإيفوارية.
من التجارة إلى الصناعة والاستثمار

مع توسع النشاط الاقتصادي في ساحل العاج، توسعت أيضًا مجالات عمل اللبنانيين، فلم يعد حضورهم يقتصر على التجارة، بل امتد إلى الصناعة، والعقارات، والخدمات، والإنشاءات، والاستيراد والتصدير، والصناعات الغذائية، ومواد البناء، والنقل والخدمات اللوجستية.
وتشير التجربة الاقتصادية في البلاد إلى أن رجال أعمال من أصول لبنانية لعبوا دورًا بارزًا في إنشاء شركات ومصانع ومؤسسات تجارية أسهمت في توفير فرص عمل، وفي تنشيط الحركة الاقتصادية، لا سيما في أبيدجان، وبواكي، وسان بيدرو، وعدد من المدن الأخرى.
كما ساهم مستثمرون لبنانيون في مشاريع عمرانية وتجارية وصناعية رافقت التوسع الذي شهدته العاصمة الاقتصادية خلال العقود الماضية، لتصبح شراكتهم جزءًا من المشهد الاقتصادي الإيفواري.
جالية اندمجت في المجتمع

تميزت التجربة اللبنانية في ساحل العاج بسرعة اندماجها في المجتمع المحلي، مع الحفاظ في الوقت نفسه على هويتها الثقافية.
فأنشأت الجالية مدارس وجمعيات وأندية ومؤسسات اجتماعية ودينية لعبت دورًا في خدمة أبنائها، وفي تعزيز التواصل بينهم، كما ساهمت في تنظيم النشاطات الثقافية والوطنية والرياضية.
وفي المقابل، انخرط اللبنانيون في الحياة الاقتصادية والاجتماعية للبلاد، وأصبح كثير منهم جزءًا من مختلف القطاعات المهنية، من التجارة والصناعة إلى الطب والهندسة والمحاماة والتعليم وإدارة الشركات.
واليوم، يضم المجتمع اللبناني في ساحل العاج أجيالًا وُلدت ونشأت في البلاد، وتتحدث الفرنسية بطلاقة، وتعرف المجتمع الإيفواري عن قرب، مع احتفاظها بروابطها الثقافية والعائلية مع لبنان.
جسر اقتصادي بين البلدين
شكّلت الجالية اللبنانية على مدى عقود حلقة وصل بين الاقتصادين اللبناني والإيفواري، وساهمت في تطوير المبادلات التجارية بين البلدين، وفتح الأسواق أمام المنتجات اللبنانية، وتشجيع الاستثمارات والشراكات الاقتصادية.
كما لعبت دورًا في نقل الخبرات، وتسهيل العلاقات بين رجال الأعمال، مستفيدة من معرفتها بالبيئتين الاقتصادية والاجتماعية في كلا البلدين.
علاقات رسمية تتطور باستمرار

إلى جانب العلاقات التي نسجتها الجالية، شهدت العلاقات الرسمية بين لبنان وساحل العاج تطورًا مستمرًا، من خلال التعاون الدبلوماسي والاقتصادي، وتبادل الزيارات الرسمية، والعمل المشترك في عدد من المجالات.
كما أسهم وجود جالية لبنانية كبيرة وفاعلة في تعزيز هذا التقارب، وترسيخ العلاقات الثنائية على المستويات الاقتصادية والثقافية والإنسانية.
أكثر من قصة اغتراب

لم تعد قصة اللبنانيين في ساحل العاج مجرد قصة هجرة بحثًا عن الرزق، بل أصبحت قصة شراكة امتدت عبر الأجيال.
فالجيل الأول وصل بأحلام بسيطة وإمكانات محدودة، والجيل الثاني أسس الشركات والمؤسسات، فيما يواصل الجيلان الثالث والرابع إدارة الأعمال، والعمل في مختلف المهن والاختصاصات، والمشاركة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية للبلاد.
وبذلك، تحولت الجالية اللبنانية إلى أحد الجسور التي تربط بين لبنان وساحل العاج، وأسهمت في تعزيز التبادل الاقتصادي والثقافي والإنساني بين الشعبين.
شراكة تستمر

بعد أكثر من ستة وستين عامًا على استقلال ساحل العاج، وأكثر من قرن على وصول أوائل اللبنانيين إليها، ما زالت هذه العلاقة تتطور، مستندة إلى تاريخ طويل من الثقة والعمل المشترك.
وبين قصة الهجرة، ونجاحات رجال الأعمال، ودور المؤسسات، وروابط الصداقة التي نسجتها الأجيال المتعاقبة، تواصل العلاقة اللبنانية – الإيفوارية كتابة فصل جديد من الشراكة، يؤكد أن الهجرة لم تكن مجرد انتقال من وطن إلى آخر، بل كانت مساهمة في بناء وطن ثانٍ، مع الحفاظ على الانتماء إلى الوطن الأم.
وفي الحلقة المقبلة من ملف “البحار”، نكتشف وجهًا آخر لساحل العاج، بعيدًا عن الاقتصاد والسياسة، من خلال طبيعتها الخلابة، وغاباتها الاستوائية، وشواطئها، ومتنزهاتها الوطنية، والتنوع الثقافي الذي يجعلها واحدة من أكثر دول غرب أفريقيا غنىً بالتراث والطبيعة.
للاطلاع على الملف كاملاً يرجى الضغط هنا

