بمناسبة الذكرى السادسة والستين لاستقلال جمهورية ساحل العاج، يفتح موقع “البحار” ملفًا خاصًا يتناول تاريخ هذا البلد ومسيرته التنموية، من مرحلة الاستقلال وبناء مؤسسات الدولة، إلى اقتصاده المتنامي، ومدنه، وثقافته، وعاداته، والعلاقات التاريخية التي تجمعه بلبنان.
رشيد بدرالدين
قد لا تكون أبيدجان العاصمة السياسية لساحل العاج، بعدما انتقل هذا اللقب إلى ياموسوكرو عام 1983، لكنها بقيت القلب الاقتصادي للبلاد، وإحدى أكثر المدن تأثيرًا في غرب أفريقيا. فمنها تُدار الأعمال، وعبر مينائها تمر نسبة كبيرة من تجارة المنطقة، كما تحتضن مقار مؤسسات مالية وشركات إقليمية ودولية جعلت منها مركزًا اقتصاديًا يتجاوز حدود ساحل العاج.
ومن عاش في أبيدجان قبل عقدين من الزمن، ثم عاد إليها اليوم، سيلاحظ منذ اللحظة الأولى حجم التحول الذي شهدته المدينة، سواء في بنيتها التحتية أو عمرانها أو حركة الاستثمار فيها، حتى أصبحت واحدة من أسرع المدن الأفريقية نموًا.
مدينة أعادت رسم ملامحها

شهدت أبيدجان خلال السنوات الخمس عشرة الماضية طفرة عمرانية كبيرة، رافقها توسع في شبكات الطرق، وإنشاء أحياء سكنية وتجارية جديدة، إلى جانب تحديث المرافق العامة.
ويُعد حي بلاتو القلب المالي والإداري للمدينة، حيث تنتشر مقار الوزارات، والبنوك، والشركات الكبرى، إضافة إلى المقر الأفريقي للبنك الأفريقي للتنمية، بينما تشهد أحياء مثل كوكودي وماركوري والريفييرا توسعًا عمرانيًا متواصلًا، مع ازدياد المشاريع السكنية، والمراكز التجارية، والمدارس الدولية، والفنادق.
ولم يعد هذا التطور يقتصر على وسط المدينة، بل امتد إلى الضواحي التي أصبحت جزءًا من المشهد الاقتصادي والعمراني الجديد.
الجسور… شرايين المدينة الحديثة

ترتبط أجزاء أبيدجان ببحيرة إيبري، ولذلك شكّلت الجسور عنصرًا أساسيًا في تطور المدينة.
فإلى جانب جسر فيليكس هوفويه بوانيي وجسر الجنرال ديغول اللذين شكلا لعقود الرابط الرئيسي بين ضفتي المدينة، جاء جسر هنري كونان بيدي، الذي افتتح عام 2014، ليحدث نقلة نوعية في حركة التنقل بين كوكودي وماركوري.
كما عزز الجسر الرابع الربط بين يوبوغون وبلاتو، وساهم في تخفيف الازدحام وتحسين انسيابية حركة المرور، في إطار خطة أوسع لتطوير شبكة النقل داخل العاصمة الاقتصادية.
الميناء… بوابة غرب أفريقيا

يُعد ميناء أبيدجان المستقل أحد أهم الموانئ في غرب أفريقيا، ولا يقتصر دوره على خدمة الاقتصاد الإيفواري، بل يشكل منفذًا بحريًا رئيسيًا لدول غير ساحلية مثل مالي وبوركينا فاسو والنيجر.
وخلال السنوات الأخيرة، شهد الميناء مشاريع توسعة وتحديث عززت قدرته على استقبال السفن الكبيرة وزيادة حجم حركة البضائع، ما رسخ مكانة أبيدجان كمركز لوجستي إقليمي.
المطار والمترو… الاستثمار في المستقبل

بدوره، واصل مطار فيليكس هوفويه بوانيي الدولي تطوير منشآته وخدماته، مع تزايد حركة المسافرين وتعزيز الربط الجوي مع العواصم الأفريقية والأوروبية وعدد من وجهات الشرق الأوسط.
وفي الوقت نفسه، يمثل مشروع مترو أبيدجان أحد أكبر مشاريع النقل الحضري في تاريخ البلاد، إذ يُنتظر أن يربط شمال المدينة بجنوبها، ويسهم في تخفيف الازدحام وتسهيل تنقل مئات الآلاف من الركاب يوميًا.
مدينة تستعد للمستقبل

لم تقتصر مشاريع التطوير على البنية التحتية، بل شملت أيضًا المرافق الرياضية والخدمات العامة، لا سيما في إطار استعدادات البلاد لاستضافة نهائيات كأس الأمم الأفريقية 2023، وهو ما أسهم في تحديث عدد من المنشآت وتحسين شبكة الطرق والمرافق، وعكس صورة مدينة قادرة على استضافة الأحداث القارية الكبرى.
وفي الوقت نفسه، عززت أبيدجان مكانتها كمركز إقليمي للأعمال، بفضل وجود مؤسسات مالية ومنظمات إقليمية وشركات متعددة الجنسيات، إضافة إلى موقعها الاستراتيجي الذي جعلها محطة رئيسية للاستثمار والتجارة في غرب أفريقيا.
أبيدجان… أكثر من مدينة

ليست أبيدجان مجرد أكبر مدن ساحل العاج، بل مدينة تختصر جانبًا كبيرًا من قصة التحول التي عاشتها البلاد منذ الاستقلال. فهي تجمع بين الاقتصاد والصناعة والخدمات والثقافة، وتواصل إعادة رسم ملامحها عامًا بعد عام، لتبقى واجهة ساحل العاج الحديثة، وإحدى أكثر المدن حيوية في القارة الأفريقية.
وفي الحلقة المقبلة من ملف “البحار”، نتناول سر الاقتصاد الإيفواري، وكيف تحولت ساحل العاج إلى أكبر منتج للكاكاو في العالم، وإحدى أسرع الاقتصادات نموًا في غرب أفريقيا.
للاطلاع على الملف يرجى الضغط هنا

